كيف لشاعرٍ يقتات التبغ المحترق وهواء الفجر ان ينفخ من روحه بعد عناء هذي الكلمات البلهاء.أعبث بصفحات كتاب صقيل الأوراق تتكرر فيه الاستشهادات بأبيات ابي تمام بينما يحدثني طويلا طويلا عن رصانة اكتسبتها سطوري منذ تعلمت الصمت الطويل وحتي تعلمت الحزن فأهز رأسي في خشوع مصطنع واقلب الصفحات فتزيغ السطور لا ألمح الا كلمات متناثرة لا يجمع بينها سوي الجمود..متأملا في حسن القوافي مخايلا ببلاغة لا تفارقه رغم دقيق الوصف-ولديه بعض الحق- يلقي قصيدة مكتملة ارفع رأسي في اعجاب يتبخر بعد ثوان.تذكرني الأشطر بشيء ما ولا أدري ماهيته فاتشاغل بافساد حواف الاوراق لربما اكتسبت بعض الروح
العام مر ومن قبله عامين.وما كنت قبلا احسب عمري بالاعوام-فالعام وقت طويل جدا لتقيس به- وانا لا أكتب الا قسرا لوم الأصدقاء أحيانا وانفعال مصطنع أحيان اٌخر،منذ ألزمتني بكتابة تحمل الكثير من القيود وقواعد لم أفهمها يوما ففقد الحبر اغرائة. كتابة كلوح شوكولاتة بيضاء كاذبة لا تحمل من صفات الشوكولاتة الا غلافها اللامع
وانا احب الكتابة التي تشبه أقراص النعناع المتظاهرة بالبراءة منتظرة ان تكسرها نصفين لتخرج روحها الحريفة من سجن السكر البارد.أقراص النعناع تحمل الفرح دوما.وكذلك أنا
سعاد محمد تحدثني عن من هوت وانتهت ببراعة تضاهي براعة جميل بن معمر..أضحك للخاطرة وملامح الخطورة المرسومة علي وجه الصديق/المعلم تتقلص في ألم تسببت فيه زلات النحو في تدوينتي الاخيرة التي يصر علي تسميتها "نص"وانا اسميها سطور وكفي..انبش بقلم وهمي حروف أثيرة"مفيش كده في المنام انا وحبيبي" واتبعها بحروف أٌخر"أَظَل نهاري مُستهاماً ويلتقي مع الليِ روحي في المنام َروحها" واشرع في الغناء أغرم انا بالوصل بين الكلمات وتغرم انت ببترها واننا لأصدقاء.
أسوأ انواع الكتابة هي الوصف فما لهذا خلق الشعر. فان اضطررت فحاول ألا تقتلني مللا. صفحات الكتاب لا تستجيب لندي أصابعي لابد ان أبي تمام من يمنحها تلك الروح الصقيلة غير القابلة للخدش-ولا للتواصل- فيسهب في سكب الحبر هباء لوصف القلم يخبّرنا ان "لعاب الأفاعي القاتلات لعابه"..مسكين ابي تمام لابد انك تعيس! يتنفض القلم الوهمي بين أصابعي فوق خطوط الحبر الشقية-لابد وان الحبر المسكوب علي كلمات باردة ليعاني الشقاء- ينثر بعض من حروف سحرية ف"ما من سنبلةٍ في التاريخ إلا وعليها قطرةٌ من لعابي" تكسب حواف الأوراق روحا فتستجيب اخيرا لندي الأصابع
أؤمن تماما انني أملك قلما سحريا لا يلتق حاء وباء بحبره إلا بخيط من فرح وكأن الفرح مس من جنون يصيبني كمرأي قط سعيد يرفع رأسه في خشوع تجاه شمس شتوية عينان دامعتان راضيتان لابد ان سعاد محمد تطلق اهاتها في اذانه المرهفة فترتجف سعيدة ملهمه أظفاره للخمش برقه ورتابه..كمن يقول الله
فاكتب واكتب كأنما الاصابع تملك روحاً طفلة عيناي تهوي لون الحبر الطازج فاندفع كطفل لاهي يسكب الحبر علي الاوراق دون رقيب.أكتب وأصنع من الاوراق فراشات صغيرة تتباهي الفراشة الحمراء بسطور النثر التي تحملها الجناحات، اما الفراشة الموشاه أجنحتها بالحبر الأسود فتخطو في وقار مخايلة بما تحملة من فكرة تصلح لبناء رواية كبري ليس لدي أي نية لكتابتها ولديك كل النية للوم لا ينتهي أما فراشتي الوردية فتحمل حروفا ضاحكات تحاول اكسابها قالبا من شعر منثور فترفرف لتسقط منها الكلمات..متي تفهم يا صديقي ان الحروف لها لون ومذاق وروح ومزاج وحشي
لا تكتب قبل ان تضحك وان خرجت كلماتك حمقاء فانت-اعرف انك كذلك- لا تكتب لتمتع نفسا غير نفسك..المحزونين أغلبية يا صديقي فلماذا نكتب لهم هم خبروا ارتباط الحاء بالزين وانفراد النون فلا من جديد نقول ولا من مبهر نصِف. الكتابة كالتبشير لا تعني بالأغلبية ولا تهتم بالمريدين و"أنا نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكاز والصحراء"
فانا لا أقيم للحزن وزنا ولا افترض فيه نبلا. الأصل فينا يا صديقي خفه الفرح وجنونه وان طال الحزن سنينا واستقام فانا اكتب عن الفرح واكتب به.
هامش: تعيسه كل الأبجديات التي لا تمتلك حرف الحاء لتربطة بما تشاء بخطوط تحملها فراشات الحبر.فالحاء تحمل دفئا ليس لأي من الحروف
* القوسين (1) يونس القاضي
* القوسين (2) جميل بثينة
* القوسين (3)أبي تمام
* القوسين (4) الماغوط
* القوسين (5) الماغوط أيضا
وأنا إذ أصحو من نوم طويل أتحسس القلب مترقبا متفاجئا برتابه الخفقان، أخشي عليه من الملل وأرجوه طويلا ألا يكف فيفاجئني وجهي في المراُه البعيدة يبتسم
تقويم هذا العام من صفحة واحدة فأنا قد مللت تمزيق الأوراق وبعثرة الصباحات تلو الصباحات، منتصف العام قد جاء، يوم متوار وسط الأيام ومن يهتم
(ثلاثون عاما وفي القلب وهم وفي الغيب سهم وفي النبع ماء)
أفتقد الطفل الذي كنته-وهل كنت يوما من الحزن خال- فلدي هنا في الروح ركن لا يعرف ان الصيف مر وتبعه ثلاثين صيفا واليوم أفتح باب الروح لألتقيه، كصديق قديم ألتقيه
تجاعيد الروح تصنع بابا وخيوط من مشيب باكر تغزل الأقفال وأنا الصافي هناك أرتكن علي حائط من ضحكات وردية ودمي محشوة وبعض القبلات
أنا النقي يدعوني لمجلس شعر وبعض القهوه
عبير القهوه المصنوعة علي مهل ينسج خيوط الشعر من حولي ستار ويغريني كحديقة أندلسية علي سهل فتسيل الأبيات كرقيق الأمطار هنا كان أبي يعلمني أول دروس الواقعية وفي الركن تهمس لي أمي انني أملك أجنحة صغار
علي هذه الأرض ما يستحق الحياة
سأطعم القط الجائع أبدا وربما سمحت له بالدخول، وسادات الإرائك تفتقد الدفء- و لازلت أملك منه البعض- ترحب بخمشاته الرقيقة وتحتفي بناعم الفراء، أتكور علي ذاتي مثله مقلدا هذا الهرير متظاهرا بالرضا فيقاطعني متململا ان الوقت للحرية قد حان، أفتح بابي مضطرا وأراقبه يرحل في كبرياء تاركا فراء رماديا وبعض من دفء وبعض البريق
(هنيئا لمن علموا الأبجدية
كيف تضيف إلي الحاء باء)
سأمر تحت شرفتك كل مساء أراقب الصغير يلهو بطائرة ورقية لابد انك من صنعتها فمن غيرك يمزج الأصفر بالأزرق ويزين حواف الأوراق بقرنفلات وردية سينتبه الطفل إلي وربما يلوح بأصابع طويلة أكسبه النحول رقه كسنبلة قمح متمايلة وربما لمحت هالتك في الخلفية كخيوط شمس تصنع مدارا من ذهب تدور فيه السنبلات
أنقر بالخطوة لحنا علمته لي يوما فأقلد همهمات القط وخمشاته علي وتر وهمي هل علمته اللحن من قبلي أم انها ترنيمة يعرفها كل الأبرياء خفقات قلبي تضطرب تعلو فأرفع يدي ألمس حدود الغماز لتخفت الهمهمات وأدور منتشيا عشرات المرات
ربما ستنبت اليوم أجنحتي.. هكذا أخبرتني أمي ذات مساء في منتصف عام
*البين قوسين لاحمد بخيت
أما درويش فعن التعريف غني
الشارع الواسع لا يغري السائرين بالتسكع فيه ربما يتطيرون منه ولم لا فالمحكمة في أوله وسجن الترحيلات في آخره، مبانية قليلة الارتفاع تركت الشمس تفرض سطوتها علي الأسفلت الممزق، كملابس النسوة النائحات علي ذويهم كلما نطق القاض بحكم تعالت أصوات العويل ومن حين لآخر يحاولن اقتحام المبني فيمنعهم الحرس بغلظة كفيلة بمضاعفة العويل
منتصف الشارع قهوة جميع مريديها من ذوي المحكوم عليهم والمرحلين من السجن في الطرف الاخر للشارع، صبي القهوة يتلقي النفحات في صمت ليختفي خلف النصبة لدقائق ويعود بعلبة سجائر وكوب شاي بلاستيكي وقطعتين من النقود يودعهم ايدي عساكر الحراسة بابتسامة العارف مدعيا ان الحبيس قريبة وفي كل مرة يقبلون قطعتي النقد وفي كل مرة يناولون السجين كوب الشاي وعلبة السجائر وفي كل مرة ينبهون علي صبي القهوة انها الاخيرة التي يسمحون بهذا التجاوز الذي لم يكونوا ليقبلوا به لولا انه قريبة.
في السجن كان حسن يعد لمحاكمته بتهمة ضرب افضي الي الموت سلمه الحارس بدلة سجن غير ممزقة و بلا بقع أوصاه باعادتها بحالتها تاركا اياه بلا حذاء ريثما يبحثوا عن واحد يناسبه، حلقوا شعر ذقنه بالموسي بلا جروح تذكر وناولوة الحذاء الواسع قليلا ثم قيدوا يديه خلف ظهرة متجهين الي البوابة.
الشمس تنتظر الخارجين باحتفال من لهيب، تصب أشعتها فوق العيون التي اعتادت الظلمة كانما تحاكمهم بطريقتها، قبل ان يجتاز حسن وحارسية البوابة يندفع صبي القهوة بابتسامتة الواثقة وفي يدة قبعة ذات حافة من كارتون مقوي وقطعتي نقد راجيا الحارسين وضعها علي رأس المتهم لحمايته من الشمس لم يستغرق الأمر سوي ثوان حتي استقرت السيجارة المشتعلة بين شفتي حسن وكوب الشاي يحملة له الحارس يناولة رشفات كبيرة كي يتخلص من الحرج سريعا وقطعة النقد تستقر في جيبة بينما لسانه يهذي بعبارات الوعيد لصبي القهوة بان هذه المرة ستكون هي الاخيرة.
الشارع علي اتساعه خالٍ تماما من القمامة وأكوام التراب كأنما لا ينتمي لهذا الحي الشعبي شجرة التوت الوارفة تلقي بحملها الطيب علي الأرض والسيارات النائمة في أسي، باقي الأشجار اعتادت ان تتسلي بنثر أوراقها الصفراء في خطوط ممتدة تغطي ثمار التوت المنتحرة، سيارة الترحيلات ساكنة وحارسيها يتبادلوا المزاح مع صبي القهوة فالمتهم سينتقل الي المحكمة المجاورة علي قدمية فلا ضرر من كوبي شاي اخرج كل منهم قطعة نقد اودعها يد الصبي فتأملها بابتسامة ساخرة ومضي يعد الشاي.
نسوة ملتحفات السواد يقفن في مجموعات مترقبين البوابة، وسيارة أجرة تستقلها اخري ترتدي الاسود تتمهل علي استحياء لتقذفها وتعاود السير همس الحارس في أذن حسن الولية دي جايه تقضي واجب مش حزينة بجد، فتش حسن بين الواقفين عن رجل واحد فلم يجد سوي صبي او اثنان بشوارب نابتة منكمشين علي الرصيف المواجة للمحكمة، واحد من النسوة اعتدلت معتصرة حقيبة يد بالية وحثت الخطي تجاه شجرة التوت الوارفة بينما تسمر الباقون في انتظار خروج جميع المتهمين من البوابة وصبي القهوة يطوف بينهم حاملا اكواب الشاي.
ابتلع حسن اخر رشفة من الشاي من يد حارسة محملة ببعض التفل والتقت عيناه بعيني السيدة الملتمعة بدموع قد يكون سببها الحزن او ضوء الشمس راقبها قليلا وهي تسير بحذاء الرصيف محتمية بالسيارات النائمة وغصون الشجرة المتدلية، فاشرأب بعنقة عاقدا حاجبية مغمغما بعض الشتائم
لكزة الحارس ليخرس مكورا الكوب الورقي استعدادا لرميه في صندوق شركة القمامة المثبت بالسلاسل الي عمود النور، فاجأة الضعف البادي علي وجه حسن وثقل خطواته كمن رأي شبحا تلفت حوله في حيرة فلما لم يجد مبررا لكزه مرة اخري ليستكمل السير
تباطأت خطوات حسن بينما عيناه تدور باحثة عن المرأة المتوارية خلف الأشجار كانت قد اختفت، كعفريت شاحب ملتمتع العينين قطعت الطريق فجأة ويدها المعتصرة حقيبتها البالية تتقلص أصابعها عبر صبي القهوة الطريق خلفها مناديا اياها "يا ست" بينما تسمرت خطوات حسن واتسعت عيناة وهو يراقب يدها تخرج من الحقيبة طرف خشبي يحسبه لسكين بيتما الحارسين يحثانة علي السير احدهم يزجرة والاخر يزجر السيدة "امشي من هنا يا ست"
التفتت النسوة يراقبن الطابور العجيب صبي القهوة يندفع وراء السيدة الشابة التي تندفع وراء مجرم وحارسية صرخت احداهن وهي تراقب الدماء المندفعة من ظهر السجين النازف والسيدة تخرج السكين من الجرح فقط لتهوي به علي بقعة اخري بينما الحارسين تركوه يهوي كالثور وهم يحاولون تكبيل السيدة وفك قبضتها المتشتجة علي السكين.
استغرق المشهد دقائق قبل ان تتكوم السيدة والدماء تغطي ملابسها وشعرها المهوش بعضها يسيل من فمها اثر ركلة الحذاء الميري وبعضها دماء ذلك الرجل المتهم بقتل ابيها والذي لم تره من قبل وان دلها صبي القهوة عليه
بينما يرقد جسد حسن وحيدا علي الرصيف انصرف الجميع الي مشهد اقتياد السيدة الي سيارة الترحيلات بصحبة الحارسين فلم يلتفت احد الي صبي القهوة الذي حمل جريدة وغطي بصفحاتها جسد القتيل.
الآن أذكركِ تشعين طهرا وجمالا خلف زجاج نافذتك الغائم، تحتضنين وسادة وردية تراقصينها كأمير أحلام منتظر تمنيت دهرا أن اكونه. تتظاهرين انك لا تلحظين بريق العيون المترصده، زوج من المراهقين يتنافسان في الطرق علي لوح الخشب، وقلوبهم خفقاتها أعلي دويا من ضجيج المطرقة
والأميرة تمضي في دورانها السحري وفستانها بلون السماء كأنما تحملها غيمة وهي تراقص النجمات
تلتقي أعيننا فأعرف انك ترقصين لي وحدى، تضمين الوسادة فيكاد دفء أنفاسك العطرة يلامس خدي، يحتضن الشعيرات النابته حديثا بعد محاولات مضنية من تمرير حد الموسي فوق البشرة الطفلة. كانك فيض من حنان تبتسمين، كأنك موج من حرير تتهادين، ترفضين أن يشغلني التنافس المحموم عن التأمل في دورانك السحري فتتركين وسادتك وتدورين، تدورين فتشتعل الحرائق في دمي ويسيل الحب شعراً علي الأوراق، تدورين فتغزلين في خاطري خيوط الكلمات التي سأقضي العمر بين يديها أمسك الزمام حينا فأنسج ثوبا من سطور وتأتي ابتسامتك الوردية فتحيك الثوب ليناسبك انت .. فقط أنت
فكأنما الأبجدية خلقت فقط كي تصفك وكأنما القلم يأبي ان يخط سطرا عن سواك.
ولكم بكيت وروي الدمع الأخاديد الخشنة المستوطنه خدي الذي كان يوما صبي حين ارتحلت مجبرا لمدينة لا تعرفني.. لمديتة لا تعرفك. ولكم حكيت عنك لأصدقاء الشباب وأضفت من عندي تفاصيل كاذبة، وكم استرسلت في وصف ملمس شعرك الحريري المضموم في جدائل من ذهب، ولكم أبلت أصابعي ورقة صغيرة حملت خطك السحري كتبتِ فيها ببراءتك الطفلة كلمتين حين ارتحلت " الله معك " فكأنما كتبتِ " أحبك.. أعشقك " واحترت كيف أرد رسالتك وانا حبيس مدينة شاسعة لا تعرف السحر وزجاج نوافذها ناصع يشف الملامح بغير جهد وبناتها مسموعة الصوت دون ترصد.. مدينة بلا خيال
ثم انشغلت في وصف ملمس مآذن العاصمة وتتبع رائحة التبغ في الحافلة وبين الأصابع المتشنجة لذوي العوينات علي المقاهي والقامات الناحلة. دنيا من الأحلام والانكسارات والعمر البادئ ما أمهلتني لحظة لأرسم علي الأوراق سلويت وجهك الغائم خلف الزجاج البعيد
بالأمس كان زفافها.. كالصفعة المفاجئة أتاني صوت أختي الكبري بلا تعمد ولا اهتمام كأنما تقول لي ان الشمس كانت بالأمس غائمة، وكأن حديثها سكين يقطع كل ارتباط لي بقريتي،حلت مقاهي العاصمة محل جلسات السمر في الليالي المقمرة، حتي الحلم امتلأ بالمبان العالية، واليوم تلو اليوم مر ثم عام فوق عام كاوراق صفصافتنا العتيقة في أواسط الخريف، هل أقول اني نسيتك بعد حين.. ياه ما أقسي الزمن، والأيام تطويني كمهرجان من دمع ومن فرح انتصارات صغيرة ورحيل الأحبه واشتعال الشيب في الرأس العنيد
ثم أتاني الموت الزائر المقيت فاستولي علي أمي كقطعة شطرنج يقتنصها في صراعه الأبدي، العجز أمام الموت موت يا أصدقاء.. حملت أمي علي يدي في اعتراف صريح بالهزيمة، ونكست رأسي احتراما للغريم المنتصر
بين الشواهد قرأت عرضا اسمك منقوش بخط مهزوز يشابه الخط علي قصاصة محفورة للأبد في حنايا الذاكرة
الدمع الحبيس يا أصدقاء يصنع غلالة كزجاج غائم ترقصين خلفه رقصتك السحرية، وأنا أواري الجسد الضئيل الثري رسم الخيال حدود وجهك، وجه كان يشع بهاء، وجه عشقته يوما وصاحبي حين كنا مراعقين يتنافسان في الطرق علي لوح الخشب
لابد أن صاحبي كان قد قُد من حجر، فلا لمرآك لانت أصابعه ولا لدورانك رقصت أضلعه، ولا سال الحب من قلبه مدام أحمرا يرسم حدود وجهك علي الأوراق، هو لم يسهر ليالٍ يراقص خيالك تحت ضوء القمر، ولا مر ببابك عند الفجر متسمعا عله يفوز بسماع نبره صوتك أو يري وجهك دون أن يفصله عنه زجاج
هو لم .. ولم.. لكنه علي كل ذلك قد فاز بك. لابد أن أصابعه مرت الآف المرات بين حرير الجدائل وتعبدت دهراً في محراب العيون اللماعه.
"جن صاحبك" هكذا تحدثت أختي الكبري في مكالمة قصيرة لابد ان خسارته تفوقني ألف مرة. ان امتلاكك يا عروس البحر كان حلما عانيت كثيرا لما تبدد.. لكن خسارتك بعد الامتلاك هي مالم أكن لاتحمله.
حبوا بعض.. تركوا بعض.. طالما الأمر بهذه البساطة يا فيروز فعلام البكاء ولماذا توهمنا جروح الروح ألا التئام ولا شفاء.. يمر اليوم تلو اليوم ونحن في انتظار،يتحدثون عن الالم الذي يولد كبيرا فنهز رؤوسنا مؤمنين، يتحدثون عن الزمن الكفيل بابراء الجروح فنستمع متلهفين.. يساقط الليل تلو الليل-والليل كما تعلمون احتفال مؤلم-وننشغل بجراح صغري متناسين انعكاس وجوهنا الحزينة في المرايا متشاغلين عنها بملاحقة عقارب ساعة تتسابق في جنون فلا تكاد تنفصل حتى تلتقي من جديد ونفقد من العمر ساعة ولا نهتم،حتى تأتي ساعة.. ساعة لا أكثر وتذوب آخر بلورة ثلج استوطنت الروح لعام أو يزيد،ساعة لا أكثر.. يبدو الحزن بعدها صغيراً صغيراً كأن لم يكن، ساعة لا أكثر ثم يفترق عقربي الساعة فنرجوهما التمهل، ساعة لا أكثر تغدو فيها فيروز علي حق.
علي هذه الأرض ما يستحق الحياة.. احبك حين تقرأني يا درويش، احبك حين تحكيني، احبك حين تمنحني ألف سبب للحديث.. ألف بادئة للحكايا وألف وجه باسم أرسمه علي زوايا الأوراق.
احبك حين تغريني بالاسترسال فتتناثر حولي السطور ويستحيل شعرك نثراً ويستحيل الحبر وشماً يطرز الأوراق.
أحب كتابات اسخيلوس أكثر مما تحبها أنت ربما لأن ايامي صارت تشبه مآسي الإغريق فلماذا أحببتها أنت، أما أول الحب-ومنتصفه وآخره- فمضي كالحلم لم أجد وقتا اصنع فيه بعض الذكريات، فقط استيقظ كل صباح انفض بعض غبار الأمس عن وجه الشمس فتبتسم قليلاً.. انثر بعض من نور علي أوراق زهوري فتبتسم قليلاً.. أبعثر بعض من دفء علي فراء القط الناعس فيبتسم قليلاً.. أجمع بعض من شعاع الشمس وبعض النور وبعض الدفء وأرسم ابتسامة وردية علي انعكاس وجهي فتهمس الشفتين أن علي هذه الأرض ما يستحق الحياة.
هذا أنا.. عمري ورق.. حلمي ورق.. أقر أنا يا من سفكت دم الأقلام ولوثت بها براءة الورق، اني قد اهدرت سنوات العمر بين صفحات الكتب، فأحببت أميرا وصارعت تنينا وهزمت جيوش البربر وأتقنت فنون السحر وعبرت الصحراء فوق غيمة وسرت علي القمر، وأنفقت فوق العمر عشرين عمرا، فأحصيت ألف مزمور وسفرا، فغدا المداد شيخا وأنا للريشات مريد.
ثم جاء الحب ملغزا مستعصيا، مسيرا متحكما، واجتاحني كطوفان سحر فانسحبت إلي الأوراق التجئ، عن حل أبحث عن عاصم فلم أجد
والليل لما لفني بسكونه فاردا ثوب الظلال علي الجدران الباردة، بحثت عن انفاس صحبة دافئة بين طيات الكتب فلم أجد، فعلي الجدار الساكن خطت يدي 'لم يكتب الحكماء من الوصايا ما يذهب الخوف والوحشة والعشق والقلق'
______________
حبوا بعض.. من أغنيات فيروز
علي هذه الأرض ما يستحق الحياة.. محمود درويش
هذا أنا عمري ورق.. حلمي ورق.. فاروق جويدة
الوقت لا يكون مناسبا للحديث عن زعيم عربي في أي توقيت، فالزعماء العرب ينفردوا بخاصية شاذة هي انهم -جميعهم- يسطع نجمهم فجأة فلا نكاد نعرف عنهم إلا ما يقوله مستشاريهم عنهم من آن لاخر وعن ماضيهم الثوري ونبوغهم العلمي الخ، كلما مل الناس من الحديث عن انجازاتهم الحاليه وتطلعاتهم المستقبلية والخطط طويلة المدي التي لا يتحقق منها شيء غالبا كنتيجة لخاصية شاذة أخري هي قصر العمر الافتراضي للزعيم العربي
قلما نجد الوقت الكافي للتحقق من ماضي الزعماء وسط التطورات اللاهثة لشخصية الزعيم والكم الهائل من الخطب والتصريحات والمؤتمرات والقمم والمصالحات والمخاصمات والسقطات والاعتذارات المنهمرة في أقل زمن ممكن كأنما يريد الزعيم الانتهاء منها سريعا قبل انطفاء بريق زعامته - وله الحق- إذ فجأة ينتهي الأمر باكبر تأثير درامي ممكن وتبدأ مرحلة من انتزاع ريشات الزعيم علي سبيل المكاشفة.
أقول لن نجد الوقت الكافي للتحقق من ماضي الزعيم خلال حياته كأنما نبت فجأة وقفز الي الصدارة ونحن نيام ،فقط بعد أفول نجمه بالموت الطبيعي أو الاغتيال أو العزل أو-الأسوأ- تحول اجماهير عنه وتجريمة ،أقول فقط بعد هذا تخرج فئران الجحور رؤوسها وتناقش ماضيه وتفند أكاذيبه وتؤكد أو تنفي نبوغه وانجازاته ووطنيته ،بل وتسحب منه لقب زعيم في أحيان كثيرة.
فينبت له فجأة زملاء دراسة وزملاء كفاح بل ومعارضين ومقومين لافعاله ومعترضين علي سياساته أو داعمين لها، هذا غير المحللين ومراقبي الأنفاس ممن يربطوا الماضي بالحاضر ويصلوا الي استنتاجات أقرب إلي التنبؤ لسيناريو سقوط الزعيم بعد سقوطة الفعلي بالطبع.
فتلتفت حولك فجأة لتجد أن كل شيء كان سريعا حد اللهاث ، منطقيا حد المبالغة، متوقعا حد الملل،لكأنك كنت الوحيد الذي صدق انه حمل بينما كان الباقون -جميعا- يحصون أنيابه!
ينطبق حال الأنياب هنا علي الزعيم الذي يبقي زعيما بعد موته أو اغتياله وعلي ذلك الذي يلفظة الناس -وهم قله- اثناء حياته. فبعد انتهاء صلاحية الزعيم لن تجد مهما حاولت من انخدع فيه أو صدق بريقه الساطع سواك
إلي هنا والأمر قابل للتعميم في العديد من دول العالم الثالث خصوصا، حيث صنم الزعيم يشيد بحيث تطاول قامته السماء،فيحدث سقوطة -عند السقوط- دويا يفوق قامته صدي، مستدعيا المزيد م نالتحليلات والرصد والمزيد من انتزاع الريش حتي لا تبقي تفصيلة في حياة الزعيم- سابقا- غير محل للنقاش.
عدا ان المميز لدينا نحن العرب هو قصر الفترة بين بزوغ نجم الزعيم وتفردة وتسيده وبين السقوط إلي حد انك تصحو من نومك مفزوعا علي أصوات الهتاف لرجل لا تعرفه أصبح في غفلة من الزمن زعيما لحزب أ حكومة أو وطن باكمله، قد يكون وطن جار أو وطنك ذاته وما هي إلا بضعة أعوام حتي تستيقظ علي ضجة مماثلة للأولي إما منددة أو مودعة للزعيم فور سقوطة لياخد مكانه في مقررات التربية القومية أو كتب التاريخ -ان كان محظوظا- المقررة علي أطفالك علي خلفية من الهتافات للزعيم الجديد
واحدة من الظواهر الجديدة المصاحبة لبزوغ نجم الزعيم حتي سقوطة هي ظهور فئة مدعي الاعتدال وطرح الرأي الاخر إلي حد يجعلهم مناهضين للرأي السائد أيا كان، مبدلين وجهة نظرهم لتحقيق مبدأ مخالفة الرأي العام ولا شيء أخر.
فأصبح من المسلي الآن تتبع التحليلات المستفيضة لتبرير أخطاء الزعيم تجري علي ألسنة المعتدلين الجدد بذات المبالغة التي يعيبونها علي الأنظمة الرسمية في الدفاع عن احد الشخصيات العامة، ويمتد الجدل حتي بعد سقوط الزعيم أو موته لسنوات وسنوات فلا ينفض السامر إلا بعد ظهور الزعيم الجديد، وصمت المعتدلين الجدد انتظارا لتحديد الموقف العام من الزعيم تمهيدا لاتخاذ الموقف المعاكس وهكذا دواليك..
العرب ظاهرة صوتيه عنوان كتاب ممتع لعبد الله القصيمي أثبت كاتبه صدق دعواه علي مدي صفحاتهالسبعمائة ، ربما علينا الان تعديل العنوان السابق ليصبح" العرب ظاهرة صوتية قليلة سريعة العطب"